صفي الرحمان مباركفوري

299

الرحيق المختوم

الحارث بن ضرار قد وجه عينا ، ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي ، فألقى المسلمون عليه القبض وقتلوه . ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقتله عينه ، وخافوا خوفا شديدا ، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب ، وانتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المريسيع - بالضم فالفتح مصغرا ، اسم لماء من مياههم في ناحية قديد إلى الساحل - فتهيئوا للقتال ، وصفّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصحابه ، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق ، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فتراموا بالنبل ساعة ، ثم أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحملوا حملة رجل واحد ، فكانت النصرة . وانهزم المشركون ، وقتل من قتل ، وسبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء ، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد ، قتله رجل من الأنصار ظنا منه أنه من العدو . كذا قال أهل المغازي والسير ، قال ابن القيم : وهو وهم ، فإنه لم يكن بينهم قتال ، وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم كما في الصحيح : أغار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون ، وذكر الحديث « 1 » انتهى . وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم ، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها ، فأدى عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتزوجها ، فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا ، وقالوا : أصهار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . وأما الوقائع التي حدثت في هذه الغزوة ، فلأجل أن مبعثها كان هو رأس النفاق عبد اللّه بن أبي وأصحابه ، نرى أن نورد أولا شيئا من أفعالهم في المجتمع الإسلامي . دور المنافقين قبل غزوة بني المصطلق قدمنا مرارا أن عبد اللّه بن أبي كان يحنق على الإسلام والمسلمين ، ولا سيما على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حنقا شديدا . لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته ، وكانوا ينظمون له الخرز ، ليتوجوه إذ دخل فيهم الإسلام ، فصرفهم عن ابن أبي ، فكان يرى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الذي استلبه ملكه . وقد ظهر حنقه هذا وتحرقه منذ بداية الهجرة قبل أن يتظاهر بالإسلام ، وبعد أن تظاهر

--> ( 1 ) وانظر صحيح البخاري كتاب العتق 1 / 345 ، وانظر أيضا فتح الباري 7 / 341 . ( 2 ) زاد المعاد 2 / 112 ، 113 ، ابن هشام 2 / 289 ، 290 ، 294 ، 295 .